الشيخ محمد تقي التستري ( الشوشتري )

590

بهج الصباغة في شرح نهج البلاغة

لهم عندي إلّا السيف ، إنّ المسلمين لو لم يغزوا المشركين لغزاهم المشركون ، ولو ساغت المعصية لأهلها ما كان قوتل عدو ولا جبي فيء . ثم جلس لتوجيه الناس فقال : قد أجّلتكم ثلاثا واقسم باللهّ لا يتخلّف أحد من أصحاب المهلب بعدها ولا من أهل الثغور إلّا قتلته . ثم قال لصاحب حرسه وصاحب شرطته : إذا مضت ثلاثة أيام فاتخذا سيوفكما . فجاءه عمير بن صابئ البرجميّ بابنه فقال : إنّ هذا أنفع لكم منّي ، هو أشدّ بني تميم أيدا وأجمعهم سلاحا وأربطهم جأشا ، وأنا شيخ كبير عليل . واستشهد جلساءه ، فقال الحجاج : عذرك لواضح ، وإنّ ضعفك لبيّن ولكنّي أكره أن يجترى ء بك الناس عليّ ، وبعد فأنت ابن صاحب عثمان . ثم أمر به فقتل ، فاحتمل الناس وأنّ أحدهم ليتبع بزاده وسلاحه ، وأتى الحجاج البصرة فكان عليهم أشدّ إلحاحا - وقد كان أتاهم خبره بالكوفة - فتحمّل الناس قبل قدومه فأتاه رجل من بني يشكر - وقد كان شيخا كبيرا أعور ، وكان يجعل على عينه العوراء صوفة ، فكان يلقّب ذا الكرسفة - فقال للحجاج : إنّ بي فتقا وقد عذرني بشر ، وقد رددت العطاء . فقال : إنّك عندي لصادق . ثم أمر به فضربت عنقه ، ففي ذلك قال الشاعر : لقد ضرب الحجاج بالمصر ضربة * تقرقر منها بطن كلّ عريف ( 1 ) وعن ابن سبرة قال : إنّا لنتغدّى مع الحجاج إذ جاءه رجل من سليم برجل يقوده ، فقال له : إنّ هذا لعاص . فقال : أنشدك اللّه في دمي ، فو اللّه ما قبضت ديوانا قط ولا شهدت عسكرا ، وإنّي لحائك اخذت من تحت الخف . فقال الحجاج : اضربوا عنقه . فلمّا أحسّ بالسّيف سجد فلحقه السّيف وهو ساجد ، فأمسكنا عن الطعام فأقبل علينا فقال : ما لي صفرت أيديكم واصفرت

--> ( 1 ) نهج البلاغة 4 : 184 .